الكذب والكذابين
الدكتور عماد محمود
إستشاري الإعاقة العصبية
يعتبرالكذب عادة سلوكية موجودة منذ بداية الخليقة
ومعروفة عالميا بغض النظر عن العرق واللغة واللون والدين. يستخدم الناس الكذب
لتحفيز ردود فعل الآخرين لتصديق معلومة خاطئة وتحديد إن أمكن تصديقها وعدم كشفها.
تبدأ القدرة على تصنيع الكذب بشكل مقنع من عمر أربعة
سنين ونصف حيث يدرك الأطفال في هذا العمر أن هناك أكثر من وجهة نظر غير ما يعتقدون
به وأنهم بتحريف بسيط أو تغيير كامل للحقائق يمكنهم تجنب العقاب وذلك قبل أن ينمو
عندهم الشعور والفهم الكامل لماذا يحدث وكيف يحدث هذا السلوك. ولأن ذلك يحدث عفويا
دون إدراك العواقب الأخلاقية والنفسية والإجتماعية لما ينتج عن ذلك ولهذا تكون الأكاذيب
في هذا العمر أحيانا فاضحة وغير قابلة للتصديق. ومع تطور النمو والوعي الإجتماعي
يدرك الأطفال مفهوم الكذب وتأثيره الاجتماعي.
ومع هذا التطور ومراقبة الآخرين يكذبون يوميا تنمو قدرات
الطفل على إدراك المعنى الحقيقي للكذب وتدخل هنا العادات والأخلاق والوعي الديني
لتحديد مدى التزام الطفل بالامتناع عن الكذب.
حرمت الأديان السماوية قاطبة الكذب والسلوك الزائف
بأنواعه إلا أن بعض الأديان القديمة بررت بعض أنواع الكذب لمحاربة الأعداء
والانتصار على الخارجين على القانون وغيرها من الأهداف العامة. إلا أن المعروف أن
القرآن الكريم والإنجيل حرما ومنعا الكذب جملة وتفصيلا.
تحدد اللغة العربية الكذب بشكل إجمالي ولكن هناك اختلاف
بين الكذب والنفاق والرياء والمراوغة والتزييف والتلفيق والمبالغة والتضليل وشهادة
الزور وغيرها. أما في اللغات الأخرى ومنها الانجليزية فهناك تمييز للكذبة حسب
حجمها وتأثيرها فنجد الكذبة البيضاء والكذبة الصغيرة والكبيرة وغيرها من
الاصطلاحات والمعاني الأخرى.
إكتشاف وتحسس الكذب والكاذبين موهبة نجدها عند البعض
ولكن هناك تفاوت في قدرة الناس على إدراك الكذبة وقت حدوثها وذلك من خلال معالم
وتقاسيم الوجه ونبرة الصوت وسرعة الكلام وبعض الحركات الجسمية الأخرى التي تفضح
الشخص وتكشف عن نواياه وحديثه الكاذب.
هناك عدة طرق للكشف عن الكذب مثل جهاز كشف الكذب الذي يستعمل
رسميا في التحقيقات الجنائية وهو عبارة عن جهاز يقيس التغييرات الفسيولوجية
المصاحبة للضغط النفسي المرافق لتصنيع الكذبة وهناك العديد من الناس يشككون في
مصداقية هذا الجهاز وقلما يستعمل هذا الدليل في المحاكم القضائية. وهناك من يعتقد
أن هناك أدوية يمكن حقنها لإظهار الحقيقة من الشخص المعني وهي عادة عقاقير تستخدم
في التخدير العام ولكن هذه المواد أثبتت فشلها لهذا الغرض بسبب حالة الهلوسة
والخيال التي تنتج عنها.
هناك أنواع عديدة ومميزة للكذب والكاذبين مثل كذب
المعتلين اجتماعيا وكذب الوسواس القهري. ان كذب المعتلين اجتماعيا هو ذلك الكذب
الذي يصدر بلا انقطاع من الأشخاص المعتلين اجتماعيا من أجل الوصول الى غايتهم
ومرادهم بدون اي تقدير لمشاعر الآخرين. ان الشخص المعتل اجتماعيا لا يهمه إلا نفسه
وغايته الوصول لأهدافه مع أنه عادة يبدو مميزا وذو شخصية جذابة ويستخدم مهارته
الإجتماعية للتلاعب في أحاسيس الآخرين بهدف الوصول الى غايته.
أما الكذب القهري الذي يصدر عن الأشخاص الذين يكذبون لأن
عادتهم هي الكذب وهو السلوك الطبيعي لهم ويعكس رد فعلهم لاي سؤال وبغض النظر عن
أهمية السؤال فإن ردهم الطبيعي يكون خال من الصحة أو على الأقل فيه تشويه للحقيقة.
إن الأشخاص الذين يكذبون قهريا لا يشعرون بالارتياح أو السعادة اذا قالوا الحقيقة
ولا يهدأ بالهم إلا إذا كذبوا فالكذب هو الشئ "الصحيح" لديهم. الكذب
القهري ينمو منذ الطفولة حيث أن الأطفال حينها يجدون أنفسهم في بيئة تتطلب الكذب
سواء من والديهم أو إخوتهم أو أقرانهم. ولا يلجأ هؤلاء الى التلاعب للوصول الى
غايتهم مثل المعتلين اجتماعيا. إنهم يكذبون على سبيل التعود والسلوك التلقائي وهذا
ينعكس على حياتهم وعلاقاتهم ومن الصعب تغييره. وغالبا ما يوصف هؤلاء بالكاذب
المرضي أو الكاذب المزمن لأن الشخص يكون معتادا على الكذب.
ليس من السهل تحديد الأعراض العامة للكذب القهري لأن هذا
النوع من الكذب متقن جدا ولأن الكاذبون لديهم مهارات في تقديم الكذب للسامعين.
ولكن مع الوقت يدرك الأقارب والأصدقاء أن الشخص المعني يسهب في الكذب وتبدأ ملامح
الكذب تبدوا أكثر وضوحا خاصة مع تكرار الكذبة مع أشخاص وأحداث وأوقات مختلفة.
وهناك بعض الظواهر التي يمكن ملاحظتها في هؤلاء الأشخاص
مثل سعي البعض الى جلب الإنتباه والإهتمام الزائد والإكثار من تخيل الأحداث
المثيرة والتمويه ويكون البعض يعاني من ضعف في الثقة بالنفس وزعزعة في احترام
الذات مع زيادة أو إفراط بالحركة وقلة التركيز والإدمان على التبغ والمخدرات وكذلك
إنكار للواقع ولكونهم يكذبون بدون سبب واضح.
لا يوجد فحوصات محددة مخبرية أو شعاعية للكشف وتشخيص
الذين يشكون من الكذب القهري ولكن يتم التشخيص عادة من الأعراض الأخرى للوسواس
القهري. ويستعمل البعض جهاز كشف الكذب (بولي جراف) ولكن بدرجات متفاوتة. أما
العلاج فهو صعب لحد ما ولكن بالجلسات النفسية وبعض الادوية وأحيانا بالتنويم
المغنطيسي والعلاج السلوكي الذهني يتمكن الشخص ادراك أهمية تجنب الكذب وتعديل
السلوك لما هو أفضل.
د. عماد محمود
drimad@gmx.com




No comments:
Post a Comment